الشنقيطي
215
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بسم اللّه الرحمن الرحيم سورة الأعراف قوله تعالى : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [ 2 ] الآية . قال مجاهد ، وقتادة ، والسدي : حَرَجٌ أي شك . أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقا ، وعلى هذا القول فالآية ، كقوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ البقرة : 147 ] وقوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران : 60 ] ، وقوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [ يونس : 94 ] . والممتري : هو الشاك ؛ لأنه مفتعل من المرية وهي الشك ، وعلى هذا القول فالخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . والمراد نهى غيره عن الشك في القرآن ، كقول الراجز : * إياك أعني واسمعي يا جارة * وكقوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] ، وقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] ، وقوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ [ البقرة : 120 ] الآية . ومعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يفعل شيئا من ذلك ، ولكن اللّه يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه صلى اللّه عليه وسلم . وجمهور العلماء : على أن المراد بالحرج في الآية الضيق ؛ أي لا يكن في صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به لشدة تكذيبهم لك ، لأن تحمل عدواة الكفار ، والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر ، وكذلك تكذيبهم له صلى اللّه عليه وسلم مع وضوح صدقة بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة » « 1 » ، أخرجه مسلم . والثلغ : وقيل ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر . ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [ هود : 12 ] ، وقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [ الحجر : 97 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف :
--> ( 1 ) أخرجه عن عياض بن حمار المجاشعي مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 63 .